Sabri Al-Haiki صبري الحيقي
Menu

من بعض الدراسات التي نشرت

الانزياح التركيبي من خلال المفارقة
عند الشاعر: عبد العزيز المقالح
صبري الحيقي
 لعل مما نأخذه على بعض دارسي الانزياحات الشعرية بنوعيها الاستبدالي والتركيبي في اليمن، إهمال تصنيف الانزياح ودلالته، ولا نزعم أننا في هذه الوقفة سنتمكن من دراسة كل أنواع الانزياحات في شعر أستاذنا الشاعر "عبد العزيز المقالح"، ولكن لأن الانزياحات الاستبدالية قد درست كثيرا، وكذلك أحيانا تدرس الانزياحات التركيبية الأخرى باستثناء المفارقة، التي تُهمل عادة في الدراسات العربية، وهي موضوع أرى انه قد آن الأوان أن يأخذ مكانه في الدراسات النقدية، لهذا خصصت هذه الوقفة لدراسة بعض المفارقات التي تمتلك بعدا دراميا مؤثرا ودالا، لدى المقالح؛ كوظيفة تقف بالكشف الحكيم لطبيعة الإنسان وحياته التي تحتاج إلى كثير من المراجعات والتعقل. فالمفارقة(Irony) في أبسط معانيها هي الالتباس في فهم الأشياء، فيحدث غير المتوقع، ولن نكرر(*) تعريفات يمكن للقارئ أن يجدها بسهولة في الموسوعات العالمية، خاصة موسوعة ويكبيديا المعربة.
في فاتحة ديوان (أبجدية الروح) نجد كل تجليات الانزياحات الاستبدالية والتركيبية، ولكن المفارقة ببعدها الدرامي تبدو أكثر توهجا بشكل مميز فمثلا حينما يقول:
سنابكُ خيلهم وصلت
   إلى روحي،
نلاحظ هنا الخطاب الخبري (سنابك خيلهم وصلت)، والمبني على ضمير الغائب هم العدو الغازي والوصول هنا عام بمعنى يشمل المكان بعمومه،وهذا المعنى التالي مخفي، تكشفه تقطيعات الجملة التي انتهت في سطر واحد، ثم يأتي الاستئناف التفصيلي في السطر الثاني، بتصاعد درامي، تكشفه أيضا موقع اللفظة في السطر حيث لم تكتب أول السطر وإنما كتبت بعد نهاية السطر السابق تقريبا(إلى روحي) وهذا يؤكد دلالة الاستئناف أو الاستمرار الخبري.
ولكن بعد ذلك يتحول السرد الخبري، إلى تجسيد تفاعلي درامي، فيختلط السرد مع التجسيد:
فيا اللهُ.. خيل الغزو في داري؟!
يحاصرني نزيف الروحِِ
تهجرني مرايا الحلم
يوغل في بياض دمي سواد العصر
       عتمتُهُ
سئمتُ الشعرَ،
عفتُ العالم المفتون َ
   بالكذب المموهِ،
   بالشعارات التي سفحت دمَ القاري.(1)
وهنا تتكشف المفارقة، التي بدأت بها القصيدة
 ( لأرض الروح
أكتب ماءَ أشعاري...إلخ) والسأم من الشعر هنا ليس شعر الذات ولكن شعر الآخر الزائف، ولكن أل التعريف التي دخلت على اللفظة وسعت المعنى لتدخله في دائرة الالتباس.
وكذلك في القصيدة التالية في نفس الديون (ابتهالات) نجد بناءً دراميا يجسد المتوقع فيحدث عكسه:
إلهي
سأعترفُ الآن أني خدعتُ العصافيرَ
أني هجوت الحدائق
أني اختصمتُ مع الشمس
أني اتخذت طريقي إلى البحر
               منفردا
وانتظرت الزمان الجميل(2)
نلاحظ خطاب المناجاة، الذي بنيت عليه مقدمة المفارقة، وهو خطاب اعتراف للخالق بالذنوب التي وقع بها خطاب المناجاة، أملا في زمان جميل. ولكن تأتي نهاية المفارقة لتكشف خطأ التصور وعاقبة الخطيئة:
فما كان إلا السراب
و ما كان إلى الخراب.(3)
ثم يبدأ تصاعد درامي جديد استمراري:
  ولكنني انصعتُ للشكِّ
  كابرتُ
  بعثرتُ نصف الجنونِ
  ونصف الضميرِ،(4)
هكذا نجد المفارقة التالية تتجدد، بعد التشكك والمكابرة، تتكشف(المفارقة) عن معرفة جديدة، هي:
فأدركني دُمَّلُ الوقتِ
شاهدتُ نعشيَ .
هكذا كانت المفارقة الأولى توقع الزمن الجميل لم يسفر إلا عن سراب وخراب، والتشكك والمكابرة والاستمرار، في الخطيئة يكشف عن الحقيقة المفاجئة وهي (دمل الوقت) والموت الذي تفرضه حتمية العمر.
 وتتجلى درامية البناء المحكم للمفارقة في قصيدة (رثاء بقعة الضوء)، التي تجسد الانزياح التركيبي بالمفارقة، والتي تبدأ بالتساؤل الحائر وتتنهي باليقين المحزن:
كيف لي أن أناديك،
أن ألمس الكلمات،
و أبكيك يا بقعة الضوء
     في جسد العمر؟
ينحني الصوت
تمتصه في الفضاء السحيق
رياح رمادية،
وأحاديث موتى يصلون.
منذ متى ويدى تتوكأ قلبي
وتبحث عن غبطة
  في زمان الرماد؟
الفصول ملوثة
الوجوه ملوثة
والعصافير تبحث عن لحظة للفرح.
وأتت بقعة الضوء
شاركني في هواها النهار.
توقفت الشمس تسأل عن حالنا
  وتبادلنا قبلةَ الشوق
لكنها انكسرت – بقعة الضوء-
أسلمني شجر الكلمات إلى الصمت
 قبل اشتباك القصائدِ غابت...
هي الآن تنزفُ
 والحزنُ معتصمٌ بالظلام.
ما الذي يجعل الشمس تبكي،
 وتمضي مبكرةً نحو نافذة الليلِ
   ها إنها تختفي..
كيفَ لي أن أحادث سيدة الضوءِ-
أن أتقي ساعةَ الضجرِ المرِّ
أن أبدأ الاتجاه المعاكسَ للحزنِ
أن أستعين بلؤلؤةِ القلبِ؟
لا شيءَ..
مغسولةٌ بالتراب العتيق طريقي،
ومغسولةٌ بالغياب.
من أنا،
 احترقت بقعةُ الضوءِ في لغتي
       في حياتي..
كأني أوزعُ آخرَ صوتي
وأبحثُ عن لحظة للتذكر،
تحمل حزني على كِتْفيها
قيل لي: إن حبك لا ينتهي
إن صوت القصيدة لا ينتهي
إنني الآن أشهدُ موتين:
       موتي
  وموت القصيدة . (5)
نلاحظ ذروة القصيدة حينما يقول:(قيل لي: إن حبك لا ينتهي
إن صوت القصيدة لا ينتهي) فيكون التوقع لديمومة الجميل، ولكن تأتي الحقيقة غير المتوقعة أو التي لم يحسب حسابها وهي:
إنني الآن أشهدُ موتين:
       موتي
  وموت القصيدة
 بهذه الإشارات المتواضعة وقفنا مع بعض الانزياحات التركيبة من خلال المفارقة، عند شاعر اليمن: عبد العزيز المقالح.
صبري الحيقي
صنعاء يناير2009م.
sabriarts@gmail.com

المفارقة في النص الروائي اليمني

المفارقة في النص الروائي
صبري  الحيقي
مدخل:
     السلوك الإنساني محكومٌ بمعارف وخبرة العقل البشري، وهي خبرة ومعارف محدودة زمنيا ومكانيا، وبالتالي، فإن معارف هذا العقل معرضة للالتباس أو للخطأ أو الدس، من هنا، أتت آيات كثيرة تنبه إلى هذه المشكلة، ومنها:
 "يا أيها الذين آمنوا إنّ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" (الحجرات: 6).
"يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فاؤلئك هم الظالمون" (11) الحجرات
"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم" (12) (الحجرات )
"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (216) البقرة
"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" (19) النساء.
والكثير من الآيات وقد أفرغت لها بحثا مستقلا .لهذا تقع كثير من الدول التي تعتمد على صنمية الشخصيات والقيادات في أخطاء حضارية وتخلف وربما سقوط مروع كما حدث في كثير من دول العالم ، وليس العراق ببعيد..والشخصيات القيادية الناجحة هي تلك التي تراجع نفسها وتستنير بآراء الآخرين ، ولا تحول نفسها إلى أصنام تعادي كل من يختلف معها . ومن هنا أيضا يأتي أهمية التسامح والتحاور. لهذا هناك حكمة فلسفية قديمة معناها ( كلكم جاهل. وخيركم جاهل يعلم بجهله وشركم جاهل يجهل جهله). أيضا من هنا يأتي تواضع العلماء ومن هنا تأني حكمة الحكماء.
المفارقة تصور جهل الإنسان وتعلمه جهله، وتنبهه إلى هذه المشكلة ...لن أذكر أمثلة أدبية أكل النقد عليها وشرب ، مثل (أوديب)، و(ماكبث) و (الملك لير)، أو حتى أمثلة حديثة مثل (عازفة البيانو) ، في (انتظار البرابرة) ،و(السيمائي) و(صيد السلمون في اليمن) وووو كل الأعمال الإبداعية ... في المسرحية والرواية تحديدا تقوم على ما كان يسمى في نظرية النقد القديم الخطأ الدرامي Hamartia، وهو يحدث نتيجة للمفارقة .أو تقوم على المفارقة (Irony (، ولأن النظرة القديمة ارتبطت بالطبقية الاجتماعية ، فقد تجاوز النقد الحديث هذه النظرة ، ووصل إلى مصطلح جديد هو المفارقة،وهي أن تفهم لفظ على عكس معناه أو تكّوِّن فكرة عن شيء على عكس حقيقته ...وحتى على مستوى كتاب الرواية في الدول المتخلفة ، الكثير من المفاهيم التي تحتاج منهم إلى مراجعات ، فمثلا قد يقرأ البعض أن الرواية البوليسية، تعتمد نهايتها على غير المتوقع والمفاجئ وبالتالي قد يهمل مبررات هذه النتيجة ولا يدرك أن الحبكة البوليسية تقوم أساسا على توجيه القارئ إلى متهمين أبرياء وبأدلة تثير الشبهات ولكن لا يهمل حيثيات النتيجة غير المتوقعة التي تقع على من لم يكن في الحسبان. وقد لاحظت في الرواية اليمنية الحديثة أن البعض ينوع في الأحداث وفي خطاب السارد ولا يدرك أن تنوع الأحداث وتنوع السادر محكوم بوحدة موضوعية وفنية فيقع في التشتيت كما في (رجة تحس بالكاد) لـ "محمد عثمان" كما أن كسر التسلسل الزمني وتنوع الأحداث محكوم أيضا بآليات سردية تقوم على (الاسترجاع أو التوازي أو التوقع أوالتخيل) بحسب الضرورة . وهذا ما لم يوفق فيه "أحمد زين"، ورغم أن (قهوة أمريكة ) أراها أكثر تماسكا من سابقتها(تصحيح وضع)، وهي عمل يستحق الاهتمام لكن كان من الممكن أن تكون أكثر تماسكا ، ومن الواضح أنها تمتلك وحدة الجو العام وتقوم على المفارقة لكنها أيضا تقع في ثرثرات معممة لنقد الواقع وهو ما يقع فيه أيضا "حبيب سروري"، بشكل أكبر وأكثر إزعاجا ، في حين أن كل حكم من الأحكام المجانية على فساد الواقع يحتاج إلى عدة روايات مثل هذا الحكم :
"غالبية مؤسسات الحكومة ، مسئولوها يديرونها كما لو كانت أملاك شخصية لذلك لا غرابة إذا ذهب أحد هؤلاء إلى العمل بلباس النوم ، أو مصطحبا زوجته وأطفاله"(1)
إضافة إلى مشاكل القبيلة والثار والمرتزقة في الانتخابات ... الفرق بين المثقف والجاهل أن المثقف الحقيقي لايقبل بالأحكام المعممة المجانية . وحتى على صعيد آخر لا يقبلها القانون. ولا منهجية البحث وو كذلك في تقنية السرد.وكما يقع الروائي في مفارقة قد يقع الناقد أيضا في نفس المفارقة . مع التأكيد على كون المفارقة موضوع يخص تقنية السرد والدراما بشكل أساسي. هذا ما جعلني أفرد هذه الورقة لهذا الموضوع وهو مشروع كتاب أتمنى أن أتمكن من إصداره قريبا.
والمفارقة فيما شرحه البعض (2)‘إنها تشبه التورية ولا تماثلها . وفي بداية التسعينيات قدمت "أمينة رشيد" دراسة مقارنة بين "يوسف إدريس" و"فلوبير" سمتها (المفارقة الروائية والزمن التاريخي)(3)
وفيه تترجم تلخيصا عن كتابي (المفارقة الرومانسية..) و(المفارقة من حيث هي مبدأ أدبي) عن مفاهيم من مفاهيم المفارقة:
" ونجد المفارقة أيضا بوصفها مفهوما أساسيا في نظرية السرد الحديثة، إذ تبدو منافسة لهيمنة الاستعارة"" (4)والملاحظ هنا أن الباحثة ترى أن المفارقة مفهوما في نظرية السرد الحديثة، وهو ما بنت علية الباحثة"نجاة على" في رسالتها لنيل الماجستير عن المفارقة لدى "يوسف إدريس"، وأكدت على كون المفارقة مصطلحا جديدا على النقد الأوروبي " ولم تعرفه العربية" (5)
وإذا اتفقنا على كون المصطلح جديدا فإني أرى أن مفهوم المفارقة ليس جديدا لا على النقد الغربي ولا على الثقافة العربية ...
      تعتبر المفارقة من أهم مقومات النص الإبداعي ، خاصة في الرواية والدراما. سواء كانت مفارقة في اللغة بين الدال والمدلول والدلالة؛ أقصد مرونة الدلالة بين اللفظ والمعنى. أو مفارقة في الموقف بين التصور أو المعرفة والفهم لعكس الحقيقة . أو مفارقة في الحركة بين الحركة الطبيعية للإنسان والحركة غير الطبيعية ،سواء كانت آلية أو حيوانية أو معوقة ( و هذه عادة توظف في الكوميديا ).
   والمفارقة كما شرحها "د. ابراهيم حماده" في معجم المصطلحات الدرامية هي :
((للكلمة في اللغة الإنجليزية أكثر من معنى ، غير أن الذي يعنينا هنا ما يتعلق بالفن الدرامي.
   والمفارقة وسيلة لفظية، أو فعلية يعبر بها الكاتب عن معنى آخر مناقض للمعنى الظاهري . ومن هنا قد يتشابك المدلول مع مدلول التورية في علم البديع العربي ، ولكنهما لا يتطابقان .
1ـ المفارقة اللفظيةverbal Irony تعبير يخفي معنى يستهدفه المتكلم ، ولكنه يختلف عن المعنى الخارجي ـ الظاهري ـ الذي يبديه .
2ـ المفارقة الدرامية Dramatic Irony موقف في مسرحية يشترك فيه المؤلف مع جمهوره ، في معرفة ما تجهله شخصية ما من حقيقة، ومن ثم ، تتصرف بطريقة لاتتفق تماما مع الظروف القائمة ، أو تتوقع من القدر عكس ما يخبئه في طياته ، أو تقول شيئا تتوقع منه أن يكون فيه النتيجة الحقيقة ، ولكن يحدث أن تأتي النتيجة عكسية تماما.
   وعلى أية حال، فإن المفارقة الدرامية ببساطة ـ هي ما يعرفه المتفرج من حقائق لا تعرفها بعض الشخصيات الماثلة فوق خشبة المسرح .
   وكما تقع المفارقة في ـ بأنواعها ـ في المأساة ، تقع أيضا في الملهاة ...))(6)
المفارقة في الرواية اليمنية الجديدة:
مدخل:
في الرواية اليمنية الجديدة ،نجد المفارقة لا تغيب عن كل الأعمال ، لكن مشكلة بعض هذه الأعمال أنها قد تظل الطريق إلى بناء مكتمل(نسبيا). وبالتالي قد يبدأ النص قويا ، ثم يقع في تشتيت واستطرادات تغلب العرضي على الجوهري...وربما تنتهي نهاية غير مناسبة تماما...سمير عبد الفتاح في روايته الثانية يبدو أكثر حرفية لكنه مازال يقع في بعض التكرار، الذي يمكننا اعتباره نوعا من الإيقاع ، ما لم يصيب مللا وهو ما وقع فيه في روايته الأولى. والصراع لديه ساكنا وهذه من المآخذ التي تنال من تجربته التي تتميز بنفس روائي لا يمتلكه الكثير من الروائيين حتى على مستوى الوطن العربي.
أما في رواية طريق البخور فالمفارقة هي التي يقع فيها الجيش الروماني حينما يتخذ دليلا بدلا من مساعدتهم يقوم بتضليلهم وتنتهي المفارقة حينما تنتهي مهمة الجيش بالفشل في غزو سبا؛ رواية طريق البخور تقوم على مفارقة أساسية ومفارقات ثانوية حققت وظيفتها الجمالية والموضوعية لكن رسم الشخصيات فيها ضعيف... ديك الرسام لأشرف النولي تنتهي بمفارقة محكمة. وهي عمل مبشر . رواية (إنه جسدي) لعبت في قسمها الأول على لعبة المفارقة بشكل جميل ... نهايات قمحية و بلغتها الشعرية العالية جدا، تبدأ بمفارقة سبب طرد الطلاب الخمسة من الصين،لكنها وقعت في بعض الاستطرادات المخلة خاصة في نهايتها. وهي بلا شك تستحق أن تنال جائزة . فجملتها الشعرية تمتلك روح السرد بشكل ملفت. رغم الأثر الواضح ل(صنعاء مدينة مفتوحة ) لـ محمد عبد الولي. عليها. (ذكريات مفتوحة) لـ" هائل الغابري" أيضا تتضمن مفارقات لكنها تقع في ازدواجية الموضوع ، رواية (طعم أسود رائحة سوداء) لـ"علي المقري" عمل مميزومهم ويقوم على مفارقة ما يشاع عن فئة من المهمشين(الأخدام) في كون الخادم نجس وأن معاشرته تورث الهلاك ، لكن ما يحدث يؤكد على عدم صحة هذه المقولة مما يترتب عنه أحداث الرواية كاملة . رواية( لست أنا)، لـ "عارف الحيقي" رواية محكمة البناءنسبيا، تقوم على مفارقة الجهل بحقيقة المعالج الشعبي الذي تقصده النساء لأغراض متعددة ومنها عدم القدرة على الإنجاب فيستغل مفارقات الجهل تلك ليمارس متعه الجنسية . خاصة مع تلك التي أحبهاوتزوجها غيره، وكان عنينا وتقوم عليها حبكة النص .كل هذه الروايات وغيرها تحتاج إلى دراسات تفصيلية لا يتسع لها هذا السياق. لهذا سأكتفي بالتوقف عند المفارقات في نص (حمار بين الأغاني ) لـ وجدي الأهدل.
للمفارقة أكثر من مدخل لدراستها، فقد تكون مفارقة داخلية وقد تكون مفارقة خارجية في التلقي . وهناك مفارقة لغوية وهناك مفارقة وعي ، وبعض الباحثين الغربيين يفصل في تصنيف المفارقة إلى الحد الذي يخرج المفاهيم من النصوص الإبداعية إلى الحياة(7) .
الحبكة الرئيسية في حمار بين الأغاني هي حبكة بوليسية لمجموعة جرائم يتضح في الأخير أن المشتبه بهم أبرياء وأن الجاني لم يكن في الحسبان.
لا أريد أن أسترسل في ملامح نظرية في السرد، لكن تقنيات السرد القديمة والحديثة تكونها ضرورات موضوعية ومنطقية( وليست مجرد موضات ) فلماذا مثلا من تقنيات النص الروائي والدرامي أن يبدأ بمشكلة النص ، لأن المشكلة هي التي تصنع حبالا تجر القارئ لمتابعتها، المشكلة هي بداية العمل الإبداعي وبدونها لا يقوم العمل الروائي أو الدرامي. ولعل "سمير عبد الفتاح" من الكتاب الذين يمتلكون مهارة هذه البداية . في رواية ( السيد م) ورواية (ابن النسر- السقوط) ثانيا لماذا كانت ومازلت الوحدة الموضوعية من أهم مقومات النص سواء في الاتجاهات القديمة أو حتى في الاتجاهات الحديثة للإبداع ، لأن الإخلال بالوحدة الموضوعية يوقع في التشتيت وبالتالي يخفق العمل في تحقيق وظيفته . و"سمير عبد الفتاح" أيضا يتميز بهذه الملكة عن الكثير من الكتاب حتى على مستوى الوطن العربي . ولكنه للأسف لا يجيد إنهاء أعماله. بعكس وجدي الأهدل الذي يصعب الحكم على أعماله حكما واحدا ولكن كل عمل يحتاج إلى دراسة مستقلة . إضافة إلى كون وجدي يعتمد على تعقيد الأحداث وتنويعها مما يوقعه أحيانا في التشتيت أو الخروج عن الوحدة الموضوعية والفنية ...ربما بسبب حرصه الزائد على وظيفة النص والتي تبدو باهته عند سمير – أو بالأصح لا تقترب من مشاكل الحياة اليومية ، لكنها تعالج مشاكل افتراضية ربما لا تشكل هما واضحا في الواقع، خاصة في رواية السيد م . وحتى في رواية السقوط مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الملاحظات لا تنتقص من موهبتة المتميزة في الرواية اليمنية. .
ولكن مما أجده مأخذا على نص (حمار بين الأغاني) أنه في تمهيده للأحداث يمتد إلى صفحة 124 تقريبا حيث يبدأ النص بعد الكثير من التمهيدات والتي كان من الممكن أن يأتي بعضها إن لزم الأمر بعد ذلك على شكل استرجاع أما بالوصف أو بالتذكر .. لكن نص (بلاد بلا سماء) يشكل تطورا متميزا على مستوى الرواية اليمنية مع بعض الملاحظات البسيطة التي ربما تجد مساحتها في دراسة أخرى .
نص حمار بين الأغاني يقوم على المفارقة، مجموعة جرائم قتل تحصل ، وتشير الأحداث إلى أكثر من مشتبه به ويعاقب أكثر من بريء :
على جريمة لم يرتكبها،وتبدأ بصاحب المكتبة "منير":
" أحيل ملف القضية على المحكمة، وبعد جلسات قليلة مقتضبة صدر الحكم بالإعدام..." (8).
ولكن يتبين أن المجرم مازال يرتكب جرائمه بنفس الآلية .
"شيء يحير.. إذا اتهمنا علي جبران فمعانا عليه أدلة تورطه لي الرقبة .. إذا اتهمنا كبش أيضا نفس الكلام وكل واحد منهم يصلح إنه يكون هو المجرم!".(9)
، ولكن في نهاية النص نكتشف أن الضابط المحق في الأحداث هو خلف كل هذه الجرائم. ومنها تقديم أبرياء للقصاص. نهاية مُحْكًَمًَةٌ للمفارقة التي تبني عليها حبكة النص :
" تسلل الرجل الملثم من النافذة بهدوء ...وأتجه ناحية قسم شرطة الحلقوم ، ودار خلف المبنى، ثم تسلق نافذة الحمام المفتوحة ودخل منها. وبدأ يغسل يديه من الدم، ثم غسل النص المصنوعة - والصحيح المصنوع- من جنزير الدبابات... نزع لثامه وخلع معطفه وثوبه ... ومد يده إلى كيس أسود مخبأ فوق السيفون، وأخرج بذلته العسكرية وارتداها... دخل حجرته ، وجلس على كرسيه المريح..." (10)
المفارقة في هذه البنية هي مفارقة خارجية ، لأن الذي يدين أبرياء فيقتلون ظلما هو نفسه يعرف براءتهم ولذا حينما يحتار بين على جبران والكبش كضحيتين لديه ما يورطهم به ؛ يجري قرعة عشوائية ، فتقع على الكبش :
"في صباح شتائي زمهرير والساعة تبلغ السابعة، سُمع سبع رصاصات بوضوح أعقبها هتاف وتصفيق.. فخمن أن كبشا قد أعدم" (11)
 والكبش هنا اسم يحمل تورية. فالنص يقول أن هناك سلطات تبحث عن كبش فداء عادة .وتكون لحظة الكشف خاصة بالمتلقي . وهنا تكمن أهمية رسالة النص . وهو نص لا يخفق في تحقيق هدفه لكنه يحتاج إلى قارئ صبور حتى لا يمل من التمهيدات الطويلة فيه والحشوات التي لو لم يقع فيها النص لكان أكثر أهمية. إضافة إلى ملاحظات لا يتسع لها هذا السياق. منها ما يتعلق ببناء الشخصيات .
ومن المفارقات الداخلية والخارجية معا وهي كثيرة في بنية الحبكة :مفارقة الحلم والواقع.
الحلم من تقنيات المفارقة في الإبداع ، وقد أعتمد نص حمار بين الأغاني، على هذه التقنية ، حيث يبدا النص بالحلم الذي يشكل محور مشكلة النص ، وهي بداية مثيرة ... ويستمر تكرارهذه ا لتقنية بين أكثر من شخصية أو بعبارة أخرى بين كل الضحايا. والحلم يصور لحظة ذبح الضحية ومحاولتها الإفلات من نهايتها ...لكن الفرق بين هذه البداية وبين تحقق الحلم، أكثر من مائة صفحة ، أرى من وجهة نظري - وربما أكون مبالغا في حرصي على اكتمال بنية العمل – أرى أنها ربما طالت وسببت بعض الملل..
إضافة إلى أن المفارقة الثنائية التي تلحق بنهاية النص والخاصة بالحاج زبطان الأمي ، الذي ، يلتقي بالضابط في القسم بعد جريمته الأخيرة ، يطلب منه ترشيح نفسه في البرلمان:
"- ل.. لكن .. أنا ما اصلحش يا فندم نايب في البرلمان؟؟
وضع قدميه على سطح المكتب وتمطى وهو يشعر بنفسه في أحسن حالاته:
- ولأجل هذا اخترتك!!" (12)
وهي مفارقة داخلية تقع على شخصية زبطان. أيضا هنا من وجهة نظري أرى أن الرواية قد أضافت نهاية لحبكة ثانية تتعلق بالحاج زبطان ، ولكنها باهتة البناء لم تمتلك عناصر تكاملها وظهرت لماما في ثنايا النص ... ويمثل نموذج للأمي المتدين الأهوج الذي الذي يصيب قوما بجهالة ولا يصبح من النادمين ...
إضافة إلى حبكة إمام المسجد وأجدها زائدة . من اشكالات الرواية اليمنية والعربية في كثير منها التشتت والخروج عن وحدة الموضوع ووحدة الحبكة .
بهذا ندرك أن وجدي يسلك الطريق الصعب في كتابة الرواية . أقصد الحبكة المركبة من عدة حبكات ...مع العلم أن الكثير من الكتاب ربما لم يكن يتجاوز الحبكة المزدوجة ، فما بالك بالحبكة المركبة ... وقراءة النص كرواية بوليسية ، يحتاج إلى دراسة أخرى .
هناك بعض الملاحظات لكن أكثرها لفتا للإنتباه، حينما يصف شخصية "كبش":
"قام بطلاء أظافره بأزرق الفاتح ، وتختم بخاتمين أزرقين في كل كف ، وعلق في أذنه اليمنى قرطا ذهبيا ..." (13).
ولعل من شاهد فلم (صمت الحملان) سيجد أن هذا الوصف يذكره بآكل لحوم البشر .إذا فهمنا التغريب اللغوي المحسوب إلى درجة الافتعال المكشوف، فلا أدري كيف أفهم هذا الوصف.
يبدو لي أن النص كان يحتاج إلى بعض التشذيب وإزالة الترهلات التي وقعت عليه وتسمح بنسج أكثر من نص.
لا شك أن الرواية اليمنية تسجل تطورات مبشرة. ولعل سمير عبد الفتاح من الأسماء الأكثر تبشيرا . بحكم قدرته على الحفريات الرأسية ، والتي تغيب عن الكثير .إضافة إلى وجدي وعلى المقري وآخرين كثر والمستقبل أكبر وعد.
الهوامش
(1) أحمد زين ، قهوة أمريكية، المغرب، المركز الثقافي العربي،2007،ص96
(2) انظر: د. سي . ميويك ، المفارقة وصفاتها ، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، بغداد- دار المأمون،1987م.
(3) د.أمينة رشيد، المفارقة الروائية والزمن التاريخي، مجلة فصول، العدد الرابع –شتاء 1993م، القاهرة- الهيئة المصرية العامة للكتاب
(4) د. أمينة رشيد، مرجع سابق، ص 157.
(5) نجاة على، مفهوم المفارقة في النقد الغربي، مجلة نزوى، العدد الثلث والخمسون2008، عمان- مؤسسة عمان للصحافة والنشر،ص71.
(6) - د. إبراهيم حماده، معجم المصطلحات المسرحية ، مصر- دار المعرف ، 1985م، ص 248.
(7) راجع: د. سي . ميويك ، المفارقة وصفاتها ، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، بغداد- دار المأمون،1987م.
(8) –وجدي الأهدل، حمار بين الأغاني،لندن-رياض الريس للكتب والنشر،2004م،ص 208.
(9) - المصدر السابق، ص 250.
(10) – المصدر السابق، ص258-259.
(11) – المصدر السابق، ص 255.
(12) – المصدر السابق، ص 206.
(13) – المص2در السابق ، ص 57.
ورقة قدمت في مهرجان صنعاء للقصة والرواية

المفارقة في فن الكاريكاتير 
 قراء ة في بعض أعمال "ناجي العلي"

صبري الحيقي 
بقي فن "الكاريكاتير" يدور في فلك السخرية ، خاصة في الأصول التي يُؤرّخ بها لنشأته. مما حدا بالكثير من الدارسين ربط تعريف فن "الكاريكاتير" بالسخرية، عن طريق المبالغة والتضخيم..ورغم أن الكثير من رسامي الكاريكاتير تميزت أعمالهم بالمفارقة والتضاد ومفارقة التضاد، وهو ما يميز الكاريكاتير الناقد والذي يحمل وظيفة غير كوميدية، ولكن وظيفة إبداعية تعالج مواطن الاختلال في القضايا الاجتماعية والسياسية وغيرها من القضايا التي تهم سلامة تطور المجتمعات. وهذا ما وجدناه في الكثير من أعمال ناجي العلي، حيث نرى توظيفا يتجاوز السخرية الشكلية ليصل إلى مفهوم المفارقة كعنصر في تقنية العمل الفني ،وعلى صعيد آخر يشكل وسيلة فاعلة في توصيل دلالة العمل الفني ووظيفته الموضوعية ، والوظيفة هي أهم مقومات العمل الفني. وفن الكاريكاتير، من أكثر الفنون تأثيرا وانتشارا.وتحقيقا لوظيفته.
المفارقة أن تفهم لفظا على عكس حقيقته أو أن تفهم موقفا أو شيئا أيضا على عكس حقيقته، أو غير حقيقته(1) مما يوقعك في مأزق أو مشكلة... وفن الكوميديا في المسرح يقوم على المفارقة سواء كانت مفارقة لفظية بين الدال والمدلول ومجازية الدلالة أو قابليتها للإلتباس، وهو ما يسميه التفكيكيون مراوغة الدلالة.أو مفارقة حركية وهو ما يوظف أيضا في فن الكاريكاتير، أو مفارقة وعي أو فهم.
وفلسفة المفارقة تقوم على تعليم الانسان حقيقة قدراته وادراكاته ومعارفه، في كونها محدودة ...ولأنها كذلك فإنه معرض للخطأ ولهذا فإن الكوميديا والكاريكاتير يقدمان نماذج من المغرورين والمتبجحين في لحظة وقوعهم في الخطأ وفي لحظة المأزق الذي تصنعه المفارقة. وبهذا يتعلم المتلقي ويراجع حساباته إن كان ممن يعقلون.
من المهم التنبيه إلى الفرق بين مصطلح المفارقة (Irony) وبين الدلالة اللغوية لنفس اللفظ، والتي تعني السخرية، خاصة وأن تعريف الكاريكاتير أرتبط بمفهوم السخرية وليس المفارقة.(2)، لهذا يقع بعض المترجمين غير المتخصصين في ترجمة المصطلح بالمعنى اللغوي فيخرج بالمعنى من سياقه، وربما يضلل القاريء. لهذا نجد كل تعاريف الكاريكاتير باللغة العربية ، لا تذكر المفارقة نهائيا ، وأحيانا ترد بمفهوم سطحي ويكون المقصود منها التضاد.
وقد عرف أحد دارسي تاريخ الفنون فن الكاريكاتير بالشكل التالي:
" الكاريكاتير هو فن يعتمد علي رسوم تبالغ في تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو حيوان أو جسم ما غالبا ما يكون التحريف في الملامح الأساسية للشخص أو يتم الاستعانة عن الملامح بأشكال الحيوانات والطيور أو عقد مقارنه بأفعال الحيوانات والكاريكاتير اسم مشتق من الكلمة الايطالية كاريكير"caricare "التي تعني يبالغ أو يحمل ما لا يطبق (overload) والتي كان موسيني (mosini) أول من استخدام سنه 1646 وفي القرن السابع عشر كان جيان لورينزوبرنينGianlorenzo وهو مثال ورسام كاريكاتيري هو أول من قدمها إلي المجتمع الفرنسي حين ذهب إلي فرنسا عام 1665 وفن الكاريكاتير فن قديم كان معروفا عند قدماء المصرين والآشوريين اليونانيين ..."(3)
أما المفارقة فإن مما أوردة "د. إبراهيم حمادة" في تعريفها :
" والمفارقة وسيلة لفظية، أو فعلية يعبر بها الكاتب عن معنى آخر مناقض للمعنى الظاهري . ومن هنا قد يتشابك المدلول مع مدلول التورية في علم البديع العربي ، ولكنهما لا يتطابقان . 1ـ المفارقة اللفظيةverbal Irony تعبير يخفي معنى يستهدفه المتكلم ، ولكنه يختلف عن المعنى الخارجي ـ الظاهري ـ الذي يبديه .
2ـ المفارقة الدرامية Dramatic Irony موقف في مسرحية يشترك فيه المؤلف مع جمهوره ، في معرفة ما تجهله شخصية ما من حقيقة، ومن ثم ، تتصرف بطريقة لاتتفق تماما مع الظروف القائمة ، أو تتوقع من القدر عكس ما يخبئه في طياته ، أو تقول شيئا تتوقع منه أن يكون فيه النتيجة الحقيقة ، ولكن يحدث أن تأتي النتيجة عكسية تماما.
   وعلى أية حال، فإن المفارقة الدرامية ببساطة ـ هي ما يعرفه المتفرج من حقائق لا تعرفها بعض الشخصيات الماثلة فوق خشبة المسرح ." (4)
والملاحظ أن الدكتور "إبراهيم حمادة" في إشارته الأخيرة، إنما يشير إلى المفارقة في التلقي وهو ما يسميه البعض مفارقة خارجية أي خارج النص، مقابل المفارقة الداخلية في بنية النص سواء في الفنون التشكيلية وفن الكاريكاتير أو فن الرواية أو في الدراما.وفي هذه القراءة لبعض أعمال الفنان الشهيد ناجي العلي ، رأيت أن تكون من خلال مدخل المفارقة ، لكونه أهم عناصر العمل الفني، في حدود فهمي

1
1

في العمل (1)نلاحظ أن البرميل يشكل أداة نجاة لمن هو مهدد بالغرق في المياه ، وحينما يأتي الانقاذ، نتوقع أن يكون للإنسان ، فنلاحظ في الصورة الثانية العكس تماما وتكشف أن الإنقاذ يكون لبراميل المصلحة والتي ترتبط بالنفط. والمفارقة هنا خارجية بالنسبة للمتلقي ، وهي تحمل رسالة تحذيرية للمتلقي . بمعنى إذا كنت في حالة غرق وتجد من يدعي الإنقاذ ، فعليك بالحذر لأنه قد لا يعني أنقاذك ولكن إنقاذ مصالحة ، حتى ولو كنت أنت الضحية . وهو ما كشفته المفارقة في الصورة الثانية ينتشل البرميل ويترك الإنسان يغرق.
2
2

مفارقة الكاريكاتير أهميتها تأتي من كونها ، تدرك بسرعة ، وأهمية قراءتنا هنا تأتي من المدخل الذي أخترناه وهو مدخل نقدي مازالت الدراسات النقدية العربية تهمله على أهميته وأهمية وظيفته والتي تقوم عليها الكثير من القيم على كل المستويات الإبداعية وحتى الدينية.
المفارقة في اللوحة (2) مفارقة خارجية ،( إسرائيل مرت من هنا) والملاحظ أن المرور هنا مجازيا من خلال جدار مثقوب ، ربما بقذيفة ، وبالتالي فالمكان المعروف للمرور هو الباب ، ولكن لا نجد في الباب إلا دماً يسيح من اسفله نتيجة للمرور غير المتوقع وهو مرور الدمار والتخريب.والدلالة هنا مرتبطة بالهمجية الإسرائيلية التي تأخذ ما ليس لها.

3
3

(3)
 في "الكاريكاتير" (3) نلاحظ أن المفارقة أيضا تتعلق بالمتلقي وقابلة للالتباس داخليا، فالجدار الذي يبنى حول القدس، يقوم به اليهود لعزل العرب، في حين نجد أن بعض العرب يساهم في بناء هذا الجدار، وهذه مفارقة تضاد لأن الضحية يساهم في حصار نفسه. والدلالة هنا تكشف بعض المتورطين في التآمر على أنفسهم وشعوبهم.

4
4

في العمل (4) نجد نهر الليطاني جافا وفلسطينيا يزحف ليروي عطشه الذي وصل إلى درجة تشققه ، كما هو واضح من وجهه وذراعيه، ولكنه يجد النهر جافا، والمفارقة هنا داخلية بالنسبة لمن جاء ليروي عطشه من النهر فيجد النهر بلا ماء ...، والدلالة تتعلق بقضية من خارج العمل وهي سحب مياه الليطاني من قبل الإسرائيليين، وبالتالي غيروا حتى قوانين الطبيعة ، جريا وراء مصالهم حتى ولو هلك العالم .والمفارقة أن النهر بلا ماء. على عكس حقيقته، بسبب يد التسلط الهمجي الإسرائيلي.

5
5

واضح أن القوة المتعددة الجنسيات ماهي ألا جنسية يهودية متعددة القوات ، والمفارقة هنا خارجية تتعلق بالمتلقي ، وهي مفارقة تعليمية كما هي عادة وظيفة المفارقة في الكاريكاتير.بمعنى أنها تقدم كشفا للعبة سياسية ، قد لا يدركهاالعامة .وهي تكالب العالم مع الإسرائيليين. وتكشف أن العرب قد أحيط بهم.
6
6

المفارقة في هذه اللوحة مفارقة تتعلق بصاحب العبارة، في وعيه بأن الذين يفضلون الصمت تجاه قضاياهم إنما هم موتى، ومن ناحية أخرى مفارقة تتعلق بالمتلقي الذي يرى الجملة على القبر (أنا أفكر إذا أنا موجود) والدلالة هنا تتعلق بنقد الذين يفضلون الحياة والسلامة في حين أن معنى الوجود هنا مرتبط بالموقف.

7
7

في اللوحة 7 تصوير لحظة تَكَشُّف المفارقة حيث يكتشف الإنسان الفلسطيني العربي أن القيادات التي كانت تزعم أنها ستحرر فلسطين، إنما هي قيادات بشعارات كاذبة، والدلالة واضحة حيث تكشف أدعياء التحرير الذين يتآمرون على القضية الفلسطينية باسم النضال والتحرير.
8
8

وفي هذه اللوحة الأخيرة نجد تجسيدا مهما، لوضع الفلسطيني والعربي، وهو إنه مستهدف بسبب أو بغير سبب، وهو ما استلهمه "سعدالله ونوس" وجسده في إعداده لمسرحية (رحلة حنظلة)(5) عن مسرحية(كيف يتخلص السيد موكينبوت من آلامه) ل"بيتر فايس". المفارقة هنا تتعلق بالمتلقي الذي قد يعتقد أنه بعيد عن الاستهداف إذا ابتعد عن المشاكل، وعن السياسة، ولكنه يجد نفسه عادة بين المشاكل وخاصة المشاكل الاقتصادية.وفي النص المسرحي الذي أخرجه "فؤاد الشطي" في الكويت 1984م، نجد "حنظلة" يواجه مشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية، دون أن يعرف أنه مستهدف لكونه عربيا... مما يعرضه لغسيل دماغ... ولعل أكثر من يدرك هذه الحقيقة المرة ليس الفلسطينيون فقط ولكن المثقفين والمبدعين تحديدا... والمفارقة التي يقع فيها اليهود هي اعتقادهم أن محاربة المبدعين والتنكيل بهم هو أحسن الطرق للتخلص من الذين يشكلون خطر التوعية والمقاومة على مستوى الوطن العربي، ولا يدركون أنهم لو أبادوا العالم بأسره إنما بهذه الأعمال يقربون من نهايتهم التي مهما طال الزمن بها فإنها واقعة لا محالة. هكذا تكون المفارقة أن تقوم بأعمال تعتقد أنها تؤمن لك الحياة في حين إنها تعجل لك بالموت، دون أن تدرك ذلك، وإذا أدركت ذلك لا يكون إلا بعد فوات الأوان.
صنعاء.2008.

مشكلة التوافق
في شخصية البطل الدرامي

صَبْرِي الحَــيَقِي
مدخل:
أن أكتب شيئاً مفيد في مجال دراستي للمسرح ، هذا ما جعلني أختار كل من مسرحية، وفاة بائع متجول، ومسرحية بعد السقوط ، للكاتب المعاصر "آرثر ميللر" (1)
ومشكلة التوافق التي جعلتها أساسا لبحثي هذا، كانت من وحي هاتين المسرحيتين، ومع هذا فالتوافق – كان في ذهني- يعتبر من القضايا الحيوية جدا في الحياة.
ولا أبالغ حينما أزعم أن قضية التوافق يمكن بحثها ودراستها في أي عمل أدبي أو فني، وخاصة في الدراما التي تقوم أساسا على مشكلة وصراع..، ولا مشكلة بدون قضية توافق؛ ورغم أن هذه القضية تبدو بديهية في مجال الأدب والفن، إلا أنه حسب علمي – وعلمي محدود - لم تدرس بشكل مباشر إلا في مجال علم النفس. أما في مجال الأدب والفن فلم تدرس كقضية أساسية تقف خلف كل الأعمال الأخلاقية والجمالية ؛ فالعمل الإبداعي حينما يعالج مشكلة اجتماعية أو فردية، إنما يعالج قضية التوافق التي تتناول رغبة أو حاجة فرد في مواجهة عائق، أو رغبة جماعة في مواجهة عائق. أما الجمالية المجردة فهي التوافق بعينه.
والحقيقة إنني اخترت هذه الدراسة ولم يكن اختياري هذا موجها لكاتب بعينه، ولكن أسلوب معالجة قضايا التعايش الاجتماعي داخل محيط الأسرة من خلال الخطأ (hamartia ) في هاتين المسرحيتين هو الذي لفت انتباهي ووجهني لهذا الاختيار.
     وقضية التوافق في هذا البحث ستكون حول مشكلة التعايش الاجتماعي من خلال فكرة المفارقة الدرامية كخطأ تراجيدي hamartia يؤدي إلى سوء التوافق أو بالأصح يؤدي إلى مشكلة التوافق للبطل الدرامي وبالتالي يفقد الإنسان سعادته بهذه المفارقة.
 ويتكون هذا البحث من ثلاثة فصول: الفصل الأول تناولت فيه بإجمال، مفهوم التوافق في السلوك؛ من خلال علم النفس – من ناحية – ومن خلال الدراما – من ناحية أخرى-. أما الفص الثاني والفصل الثالث، فهما يحويان دراسة تحليلية لمسرحية وفاة بائع متجول ومسرحية بعد السقوط، من خلال التوافق، ودراسة فكرة الخطأ في تقدير الأشياء. وقد آثرتُ أن أخصص لكل مسرحية فصلا قائما بذاته، حتى يتسنى لي أن أدرس كل مسرحية منهما في حيز يسمح بأن أوفيها حقها من التحليل.
الفصل الأول
مفهوم التوافق في السلوك
التوافق من المواضيع العامة التي يقوم عليها الوجود بشكل عام؛ فعلى مستوى الكون يكون التوافق هو التوازن، أقصد توازن حركة الكواكب حول الشمس. وعلى مستوى شكل الأشياء، يكون التوافق هو ما نسميه (الجمال) وهو التركيب المتناغم والمتآلف المنظم للعناصر المكونة للشيء داخل صورته أو حجمه .أما في مجال السلوك البشري – وهو ما يهمنا هنا – فإن التوافق في هذا المجال يكون هو السعادة؛ والسعادة ليست آلية في الحياة، بل هي محصلة سلوك إنساني قائم على إشباع حاجات ورغبات الإنسان. مع العلم أن السعادة شعور وليست سلوك.
والمشكلة في التوافق السلوكي، هي مشكلة إشباع حاجات ورغبات الإنسان بطريقة سوية، أي بحيث لا تتعارض مع الظروف الاجتماعية المحيطة بالفرد من ناحية، ولا تتعارض أيضا مع قدرات الفرد نفسه من ناحية أخرى.
و"التوافق... هو ثمرة التكيف" (2) في السلوك البشري للإنسان الذي عادة ما يعجز عن تحقيق التوافق في حياته نتيجة وجود عوائق، سواء على المستوى الشخصي، أو على المستوى الاجتماعي.
التوافق من خلال علم النفس:
 تنبع قضية التوافق أساسا من خلال الموازنة بين حاجات وطاقات الإنسان كفرد، وبين نظام المجتمع بحاجاته وطاقاته كجماعات تضم أفرادا، بينهم علاقات متبادلة بالضرورة. وفي هذا الصدد يقول الدكتور"كمال دسوقي":
"يعرف التوافق عموا بأنه تكيف الشخص ببيئته الاجتماعية في مجال مشكلات حياته مع الآخرين التي ترجع لعلاقته بأسرته ومجتمعه ومعايير بيئته الاقتصادية والسياسية والخلقية" (3)
 والتكيف في مجال مشكلات الإنسان مع الآخرين، عادة ما يكون عبارة عن تنظيم الظروف بما يتلاءم مع حاجات الفرد وقدراته لكي يحدث نوع من التناسب الذي يؤدي إلى التوافق.
كيف تنشأ مشكلة التوافق ؟:
في مجال إشباع حاجات ورغبات الإنسان من خلال بواعث السلوك، قد يصطدم الفرد بعدة عوائق، سواء أكانت عوائق شخصية أو اجتماعية ؛ والعوائق الشخصية تتوقف على حدود الإمكانية واللا إمكانية للفرد. أما بالنسبة للعوائق الاجتماعية فهي أيضا تتوقف على تعارض حاجات الفرد مع عادات ونظم المجتمع. وحينما يوجد التوازن بين الحاجة وسبل إشباعها بطريقة سوية لا توجد مشكلة، فالمشكلة إذا تنشأ حينما يوجد عائق محبط يحول دون تحقيق حاجةٍ أو رغبةٍ معينة، وفي هذه الحالة يقوم الإنسان بسلوك معين للتغلب على العائق، سواء بالتعويض أو بصورة أخرى تمكنه من التغلب على العائق لكي يحدث التوافق، وعادة يحدث هذا مع الإنسان الناجح. أما إذا فشلت هذه المحاولات، فيحدث ما يسمى (ميكانيزم التوافق ) ، وهو عبارة عن حيل دفاعية يقوم بها الإنسان كنوع من محاولة التكيف، وهي عادات هروبية خطيرة الأثر على سلوك الإنسان وحياته ،وتدل على عدم توافق، وتحدث عادة للإنسان الفاشل؛ مثل:
- الإسقاط؛ وهو إسقاط ما يقع فيه الإنسان من أخطاء على الآخرين أو على الظروف ...
- التبرير؛ وهو تبرير الخطأ بأنه ليس بخطأ...
- النكوص؛ وهو الارتداد إلى عالم الماضي أو الطفولة هروبا من إحباطات الحاضر.
- أحلام اليقظة...
وهناك مظاهر أخرى لعدم التوافق لا نجد ضرورة لإيرادها هنا، وأكتفي بهذا القدر في إيضاح مفهوم التوافق من خلال علم النفس.
التوافق في الدراما :
للدراما قواعدها الخاصة التي لا تخرج عن نطاق معالجة قضايا التوافق، على اعتبار أنه محور أساسي في حياة الإنسان والجماعات البشرية، التي تتعرض دوما لعدم التوافق من قِبَلِ الأفراد. ولكن في الدراما نجد أنفسنا محددين ببناء درامي معين قائم على مشكلة وصراع مرورا بالتنوير إلى التحول، ومن ثم التطهير وفقا للمفهوم الأرسطي ، أو ما يسمى بالتنوير الذهني في المسرح الملحمي. وفي هذه الحالة يكون التطهير أو التنوير الذهني هو حالة شعورية ضرورية تمهد للتوافق أو تؤدي إليه.
وتهتم الدراما بمعاناة البطل المأساوي، كما هو الحال في معاناة الملك" لير" كشخصية خرجت عن التوافق في المحيط الأسري بسبب سلوك طائش غير حكيم كانت نتيجته معاناة مريرة عبر صراع طويل ينتهي باكتشاف البطل للحقيقة ومن ثم يتحول إلى الإدراك السوي ، ومن ثم تقدير الأشياء حق قدرها بحكمة واتزان.
والحقيقة أن معاناة الشخصية التراجيدية لا تكون دائما نتيجة خطا (hamartia) ارتكبه البطل التراجيدي نفسه كنوع من الخروج عن التوافق، بل قد تكون معاناته نتيجة لكارثة على المخطئين والأبرياء سواء بسواء بسبب تحطيم للروابط الاجتماعية، تقوم به إحدى الشخصيات المحورية في الدراما مثل الفعل الذي قام به "كريون" في مسرحية، أنتجوني (4)
وعموما تكون القضية في التراجيديا هي مشكلة تكيف متوافق في مجال صراع بين قوى متباينة، إحداها- بالضرورة في التراجيديا – تمثل الجانب السوي من التوافق أو تميل إليه بحكم تكوينها كما في شخصية ((أنتجوني)) سواء عند ((سوفوكليس)) قبل الميلاد أو عند ((جان آنوي)) في القرن العشرين، حيث نجد ((أنتجوني )) تعاني من خطا ارتكبه ((كريون)) (خالها- الملك) الذي يمثل القوة التي أحدثت خللا (أو لا توافقا) في تقاليد ونظم المجتمع والدولة،لذالك ألزمت نفسها بإعادة التوافق والنظام المتعارف عليه ودفعت حياتها ثمنا لالتزامها هذا.
وفي رائعة (( شكسبير ))، هاملت، يبدو لي أن "هاملت" هو الشخصية النقية التي تكلف –بطريقة خارقة- على لسان شبح أبيه المقتول، بإعادة النظام الذي اخل به أفراد آخرون من المحيط الأسري في المسرحية. و( الشبح ) كما يبدو لي هو المعادلة لقيمة عليا هي بمعنى آخر التوافق أو النظام مجسدا، في عصر غير منظم ولا متوافق : فالأخ يقتل أخيه والزوجة تتواطأ معه والزيف يملا جو المسرحية ، حتى أصبح أفرادها يجيدون التزييف أكثر مما يجيد الممثل دوره.
ولكن هل مهمة الدراما تحقيق التوافق وإعادة تنظيم السلوك الإنساني؟ أنها من ناحية تعيد تنظيم السلوك الإنساني ولكن تحقيق التوافق بالنسبة للشخصية الدرامية ليس أمرا ضروريا، رغم أن الهدف في التراجيديا هو التطهير ( Katharasis)
الذي يؤدي حدوثه إلى التوازن .
و التراجيديا في الغالب تنتهي بفاجعة: فمسرحية هاملت بكل رؤاها الفلسفية تنتهي بموت الشخصيات المتصارعة فيها، و"أنتجوني" أيضا تموت في نهاية المسرحية. ويقتل"جابر" في مسرحية، رأس المملوك جابر ل"سعد الله ونوس"...الخ
وأغلب الأبطال التراجيديين تكون نهايتهم الموت، وهذا ليس توافقا ولكنه نتيجة حتمية لصراعهم مع قوى اكبر من طاقاتهم واكبر من إمكانية توفقهم. و التراجيديا تحدث التطهير أو بمعنى آخر توحي بالتكيف المتوافق للمتلقي – سواء بالتطهير أو بالتنوير الذهني – لكي يعيش حياته بنوع من الاتزان والتوافق.
إن الدراما تتناول كل ما يتعلق بعدم الاتزان بهدف إعادته إلى اتساقه و توافقه السوي ، وفي هذا المدد يفسر الدكتور "محمد حمدي إبراهيم" موضحا آراء "أرسطو" قائلا:
"إن شخصيات التراجيديا (...) خيرة وسامية أكثر من كونها شريرة ... ووضعها في الإطار الدرامي تصحيح سلوكها وردها إلى التوازن لان هدف التراجيديا هو إيجاد صيغة أفضل للعلاقات الإنسانية في المجتمع على أساس التصالح بين الرغبات التي تحرك البشر في سلوكهم، ويتم هذا عن طريق نبذ الطرف والفردية التي تدفع حتما إلى الصدام والى ارتكاب الإثم، وعن طريق إرساء الاعتدال والموضوعية محلهما لأنهما أساس روح الجماعية وروح التعاون البشري"(5)
وهدف الدراما عموما هو (إيجاد صيغة أفضل للعلاقات الإنسانية في المجتمع) أمر لا خلاف عليه ، ولكنها لا تعطينا هذه الصيغة، بل لا تحققها على الإطلاق بشكل فعال ايجابي للبطل التراجيدي على خشبة المسرح، ولكنها قد توحي للمتلقي بهذه الصيغة.
ومن ناحية أخرى نجد أن التوافق هو الحلة السوية –من الناحية الدرامية – التي وصل إليها "أوديب" في مأساة أوديب ملكا لـ "سوفوكليس" بعد أن عرف حقيقة نفسه كبشر محدود القدرة وحقيقة نفسه كانسان لا قِبل له بتحدي الأرباب، أو يتمكن من الهرب من قدره.
ويمكننا القول إن قضية التوافق في التراجيديا تتجلى في لحظة التنوير التي يمر بها البطل التراجيدي بعد الصراع الذي وجد كنتيجة لعدم الاتزان؛ والتنوير لا يأتي إلا بعد المعاناة ؛ فالملك " لير" لا يعرف خطأه إلا بعد أن يحس بالمرارة ويصل إلى حالة من الجنون، بحيث تعصف به المأساة بكل قسوتها .
وبالتالي لا يصل الإنسان إلى الاتزان، أو بالأصح إلى سبل التكيف السوي في التراجيديا إلا عن طريق المعاناة والألم، كما في ( أوديب في كولونوس )، الذي يصل إلى مرتبة التقديس ، بعد معاناة مريرة عرفناها مسرحية (أوديب ملكا ).
أما في مسرحية ( أنتجوني ) لـ"جان آنوي" فنجد أن بطلة المسرحية "أنتيجوني" لا ترتكب إثما hamartia ولكنها تذهب ضحية ما يرتكبه الآخرون من آثام، وهي بتركيبة شخصيتها من النوع السوي ،أو بالأصح الأقرب إلى السواء – دراميا وليس نفسيا - مدفوعة إلى السلوك التراجيدي الذي يجعلها – بطبيعتها- ترفض ما يخل بالتوافق في النظام الاجتماعي، وما يخل بالعدل، فتدفع حياتها ثمنا لإعادة التوافق، بدافع المبدأ.
خلاصة القول إن التراجيديا تعالج ما يخرج عن نطاق التوافق بالشكل الذي بيناه، وكأنها تبين بغير لفظ أن المفارقة أو الهوة بين الأفراد وبعضهم أو بين الفرد والمجتمع، بسبب اللاتوافق تكون نتيجتها مأساوية.
وهذا ليس مسحا عاما للتوافق في الدراما ، ولكنه نوع من الإحاطة الجزئية التي قد تفيدنا في استكمال هذه الدراسة.
الفصل الثاني
مشكلة التوافق في مسرحية
وفاة بائع متجول
سنحلل في هذا الفصل مسرحية (وفاة بائع متجول) (6) ، من خلال قضية التوافق التي يمكن أن نعرفها على أنها : إشباع حاجات ورغبات الإنسان بطريقة سوية لا تتعارض مع ظروف المحيط الذي يعيش الفرد في مجاله، وبما يتلاءم أيضا وقدرات الفرد نفسه.
وعادة ما يصبح التوافق مشكلة، عندما تنشا عوائق وعقبات تعترض إشباع حاجات الفرد ورغباتهن سواء أكانت هذه العوائق نابعة من ظروف المجتمع وقوانينه وتقاليده، في حالة ما إذا كان هذا المجتمع يقف عائقا أمام تحقيق الفرد لرغباته، أو نابعة من الفرد ذاته.
وبمعنى آخر يمكننا القول: إن التوافق السوي هو السعادة التي يصل إليها الإنسان حينما يحقق رغبة ما في مجال حياته.
ومسرحة(وفاة بائع متجول) تتناول مشكلة "ويلي لومان" الإنسان الذي كانت له رغبات وآمال لم تتحقق، مما يصيبه بالإحباط الذي نجم عنه نوع من الهذيان والخرف – إن صح التعبير- ينتهي بانتحاره بعد أن اكتشف الحقيقة في مأساته.
رغبة "ويلي لومان" هي النجاح من خلال الحب، أن تكون محبوبا فتكون ناجحا، ويرى "لومان" أن وسامة ابنه "بيف" ستكون سببا في نجاحه، ولكن هذه الآمال التي علقها على ابنه "بيف" لم تتحققن لسببين أساسيين:
1- السبب الأول هو وجود عوائق على المستوى الشخصي بالنسبة لـ"لومان" نفسه، ويمكننا اعتبار هذا السبب بمثابة الخطأ (Hamartia) الذي وقع فيه البطل نفسه، نتيجة تكوين تصورات خاطئة عن النجاح وعن تربية أبنائه، وترتب على ذلك أنه ربى ابنه "بيف" وأيضا "هابي" بناء على هذا المبدأ الخاطئ.
2- السبب الثاني ، وجود عوائق على المستوى الاجتماعي، ويتجسد هذا العائق من خلال المفارقة Irony التي نجمت عن فهم "لومان" لتطور أساليب الحياة المادية ومتطلباتها في العمل؛ هذه المتطلبات لا تؤمن بمبادئ "وبلي لومان" ولا تتناسب معها.
ويدور الصراع في المسرحية على هذين المستويين، بشكل تعبيري دقيق عن حالة "ويلي لومان" الذي يمثل حياة الإنسان الذي يجد نفسه مقهورا محبطا في زحمة الحياة المدنية.
 أما زمن الأحداث في هذه المسرحية ن فيدور على مستويين أيضا:
- مستوى الماضي (الذي نراه من خلال هذيان "لومان")، ومستوى الحاضر، بحيث يتلازمان أحيانا ويفترقان أحيان أخرى، حسب الحالة النفسية لـ"ويلي لومان" نفسه.
    "إن الماضي والحاضر في العمل الدرامي يرتبط بعضهما وبعض ولا يمكن الفصل بينهما، وهي علاقة لابد أن يؤكدها العمل الفني" (7)
قبل تحليل المسرحية:
يقول "آرثر ميللر " عن هذه المسرحية:
"... أردتُ أن أبين ـ بل أمدح ذهن القومسيونجي وطبيعته وإخلاصه ، الذي يتجه نحو شخص آخر (المدير) يتجه نحو هذه الشخصية التي تعرف تماما أن مهنة البائع المتوقفة على المظهر الخارجي له وثرثرة الكلام أثرها ونجاحها في تصريف البضائع المختلفة وفيها أيضا بقاء مراكزهم الإدارية كمديرين ". (8)
   ويبدو لي أن "ميللر" هنا يلقي الضوء على جانب مهم في الحياة المدنية وحقيقة نظرة (المدير) للبائع، وفهم البائع نفسه لمظهر هذه النظرة ومن هنا تقوم المفارقة الدرامية بين هذين المستويين؛ وهذا هو عنصر المشكلة في مأساة "ويلي لومان" الذي فهم مقومات عمله كبائع ـ المقومات التي تتوقف على المظهر الخارجي وأن يكون محبوبا ـ على أنها مقومات عامة للنجاح في الحياة العملية بصفة عامة، وتربية أبنائه "بيف" و "هابي" بصفة خاصة.
    والخطأ المأساوي هو العائق دون تحقيق الرغبة في النجاح وهو هنا مفارقة تصور " ويلي لومان" عن النجاح، وبالتالي يكون الخطأ هو في نفس الوقت مشكلة التوافق عند "ويلي لومان" الذي لم يكون يدرك أن ما يميز البائع يختلف عن ما يميز نجاح أخيه "بن" ـ مثلاـ والذي كان نجاحه بالمغامرة والفعل الجاد لا بوسامة المظهر والابتسامة الرقيقة.
    و "ويلي لومان" يجد أن ابنه "بيف" غير عادي بطلعته البهية، وأنه سيكون ناجحا بسببها :
" ويلي : كان مثل اله صغير ، هرقل أو شيء يشبهه ؛ والشمس . الشمس كانت تغمر كل ما حوله .. يا لعظمة الله . ما زالت أمامه فرصة ليلمع ويصعد نجمه . نجم لامع مثله لا يمكن أن يخبو." (9)
      وهذا هو نفس الخطأ المأساوي ـ إن صح التعبيرـ الذي قامت عليه مسرحية (بعد السقوط) لنفس الكاتب، وهو المفارقة بين تصور الإنسان بين تصور الإنسان عن الأشياء وحقيقة مطابقة هذا التصور للحياة العملية. والفرق هو أن مسرحية" وفاة بائع متجول"، تعتبر أكثر تركيبا في تصوير هذه المارقة، بحيث نجدها هنا أكثر تجاوزا للمحيط الأسري في تصوير عوائق تحقيق رغبة "ويلي لومان" في النجاح لتصل إلى عوائق ذاتية وأيضا اجتماعية مادية في صنع المأساة والتي تتمثل بعدم التوافق بسبب المفارقة، وبالتالي تصاب أسرة "لومان" بالشقاء بعد أن كانت تنعم بالسعادة.
تحـــليل المسرحـــية:
     يبدأ النص بمشكلة التوافق، وهي نتاج المفارقة في التصور عن مقومات النجاح، فنشاهد بطل المسرحية "ويلي لومان" وقد تجاوز الستين من عمره، بعد مرور ستة وثلاثين عاما على بدايته في مهنة بائع متجول ، وفي هذه المرحلة يكون البطل قد تجاوز سبب المشكلة ووصل إلى نتائجها، أو كما قال "جيرالد ويلز" يكون:
"... قد تجاوز نقطة الاختيار، ومن رؤى النجاح المتضاربة التي تخامر عقله المضطرب، ينبع الطموح المزدوج لدى "ويلي" أن يكون غنيا وأن يكون محبوبا: [إن معجزة هذه البلاد ـ هي ـ أن أي امرىء يستطيع أن ينتهي إلى اقتناء الماس هنا، على أساس أنه محبوب] كما يقول لـ "بن" وإذن إن إيمان " ويلي " بسحر [الجاذبية الشخصية] كطريق للنجاح يحمله إلى ما وراء السبب والنتيجة إلى الضرورة" (10)
   والضرورة التي يقصدها "ويلز" هنا هي ـ كما يبدو لي ـ مفارقة تصور "ويلي لومان" بأن أبنه "بيف" سينجح حتما في حياته من خلال سحر الجاذبية الشخصية.
   ولكن تصورات "ويلي" هذه لم تصدق في واقع حياته بالنسبة لأبنه "بيف" والذي يمثل نتيجة مشكلة المفارقةIrony ؛ ففشل" بيف" في الحياة العملية هو في الحقيقة فشل "ويلي" لومان نفسه من خلال بيف.
  وحينما يختار "ميللر" بداية المسرحية فإنه يركزها في تصوير حالة "ويلي لومان" وأسرته، بعد أن عاد ابنه "بيف" من سفر طويل، وهو مازال فاشلا ضائعا رغم أنه قد بلغ الرابعة والثلاثين من عمره. فيصاب" ويلي" بنوبات قوية من مظاهر عدم الاتزان وعدم التوافق تكشف عن شعوره الداخلي بعدم الطمأنينة وعدم الرضا عن نفسه وعن فشل ابنه "بيف".
"ويلي: مصيبته انه كسول خامل. لنعترف بالواقع ..
(...)
ويلي: "بيف ويلي" ضائع في أعظم بلد في الدنيا يجد شاب له مثل هذه الجاذبية الشخصية نفسه ضائعا. ثم انه مجد حين يعمل. و" بيف" إن كانت فيه خصلة فليست هي الخمول )) (11)
   ولعلنا قد لاحظنا هنا أن " ويلي لومان" لم يدرك سبب فشل ابنه بسبب مفارقة تصوراته عن النجاح، وهذا يجعله متناقضا كما يبدو في طباعه المضطربة، وخاصة مع زوجته "لندا" التي تسايره برفق شديد:
" ويلي : لم تشترين جبنة أمريكية في حين أحب السويسرية ؟
لندا: فكرت أنك ربما تحب التغيير.
ويلي: لا أحب أن أغير!.. لماذا تعارضينني دائما ؟
لندا: (بضحكة استرضاء) فكرت أنها ستكون مفاجأة ..
ويلي: لم لا تفتحين النوافذ لخاطر الله ؟
لندا : (بصبر لا ينفد) النوافذ كلها مفتوحة يا عزيزي.
ويلي: لكم سدوا علينا المنافذ . طوب ونوافذ و نوافذ وطوب ..
لندا: كان ينبغي أن نشتري الأرض المجاورة.
ويلي : الشارع تزحمه السيارات، وليس ثمة قطرة من الهواء النقي في الحي كله العشب لم يعد ينمو، (...) أتذكرين شجرتي الدردار الجميلتين خارج الدار هنا ؟ حين علقت أنا وبيف الأرجوحة بينهما" (12)
    ما يهمنا هنا هو نظرة "لومان " القلقة المتناقضة للأشياء، ورفضه أن يغير عاداته وبالمقابل ـ هو بهذا ـ يرفض تغيير أفكاره يرفض إدراك المفارقة التي يقع فيها وهذا نوع من الإصرار على الحياة الوهمية في عالم أوهامه وفي ماضية الذي يعيش على مناجاته هروبا من إحساسه بالاختناق وسط مظاهر التعقيد التي تحيط به من أشكال المدنية، ورغم هذه المظاهر نجد أنه ما زال ملتزما بتصوراته القديمة للنجاح وأن ابنه "بيف" (سيلمع يوما ما) (13)
   وهذا التناقض الواضح في سلوك "لومان" هو أحد المظاهر الأساسية لعدم قدرته على التكيف المتوافق مع واقعه بمعنى آخر عدم قدرته على تجاوز فجوة المفارقةIrony التي تحدث الالتباس بين حقيقة الحياة وبين فهمه لها. لهذا هو يرفض العمل عند "شارلي" وكل ذلك الرفض لأنه في الحقيقة يرفض للواقع الذي يحبطه.
   وهذا الجو المضطرب نفسه موجود أيضا في سلوك ابنيه "بيف" و"هابي" اللذين تربيا على أساس خاطئ، ولكن هذا الاضطراب كان بشك

الدال والاستبدال في مصادر النص

                                   صبري الحيقي
نظرية مصادر النص
الفهرس
مقدمة..................................... 5
الفصل الأول: التاريخ (استبدال رؤية إبداعية بحقيقة تاريخية)
مدخل......................................
الخيال التاريخي............................
الفرق بين التاريخ والإبداع...................
أسباب لجوء المؤلف إلى التاريخ.............
المحاكاة المباشرة للتاريخ في النص..........
المحاكاة غير المباشرة للتاريخ في النص..... 25
26
27
31
33
40
69
الفصل الثاني: الواقع (استبدال رؤية إبداعية بحقيقة واقعية)
مدخل......................................
الفرق بين الواقع والتاريخ....................
المحاكاة المباشرة للواقع في النص...........
المحاكاة غير المباشرة للواقع في النص...... 97
98
99
101
107
الفصل الثالث: الحكاية الشعبية (استبدال رؤية إبداعية فردية برؤية شعبية)
مدخل......................................
الحكاية الشعبية بين التاريخ والواقع........ 125
126
128
الفصل الرابع: الأعمال الأدبية السابقة (استبدال رؤية إبداعية برؤية إبداعية سابقة)
مدخل........................................ 147
148
خاتمة........................................ 159
المصادر والمراجع............................. 165
مقدمة
في هذه الدراسة سنقف على عدة مصطلحات، منها النصtext... والمصادر(sources)، والمصادر مدخل أساس في فهم النص؛ طبيعته ووظيفته...، ثم الدال والاستبدال...، والاستبدال(Substitution) هو المحور الذي ستبني عليه هذه الدراسة؛ وهو موضوع ندرسه برؤية جديدة(*)، لعل أهميتها تكمن في كونها لا تنساق خلف المصطلحات المنقولة مثل مصطلح التناص (Intertextuality)، بقدر ما تحرص على التفاعل القائم على الاجتهاد والإضافة، والتطبيق على النصوص المحلية، بشكل نرجو أن يساهم في تطوير البحث المنهجي الجاد، في مجال النقد الإبداعي.
 والمعروف في تاريخ الأدب أن النص الإبداعي لم يكن يُكتب إلا شعرا، وعلى ذلك سمي أهم مرجع في النقد (فن الشعر) وقُسِّمَ إلى: شعر درامي(النص المسرحي)، وشعر ملحمي والذي منه جاءت الرواية...، وشعر غنائي، وهو الذي علقت به صفة الشعر ووصلت به إلى قصيدة النثر.
 إذا الشعر هو اللغة الإبداعية التي من لا يملكها لا يستطيع أن ينتج نصا إبداعيا، ولكن دخول النثر على النص خاصة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، قد سمح لمن لا يملك هذه الموهبة أن ينتج نصوصا من خلال ما يملكه من رؤية إبداعية...، لكن هذه اللغة أيضا قد سمحت لنوع آخر ممن أقحموا أنفسهم في عملية إنتاج النص ولا يملكون موهبة الإبداع والرؤية...، فجاءت نصوصهم فيها من النقل والتقليد أكثر مما فيها من خصوصية الإبداع والإضافة...، وقد تنبه لهذه الظاهرة "تولستوي" في كتابه(ماهو الفن) في نهاية القرن التاسع عشر، وحاول تصنيفها:
"إن الفن إذا بات أكثر شحا في المضمون وأكثر غموضا من حيث الشكل، قد فقد في ظهوره الأخير كل سمات الفن وصار شبيها بالفن... كان لابد للفنانين، وبغية تلبية متطلبات الطبقات الغنية، أن يخترعوا أساليب تمكنهم من إنتاج مواد شبيهة بالفن ثم وضعت هذه الأساليب. وهي:
... الاقتباس.- التقليد. - لإثارة الدهشة. التشويق."1
أما ما يتعلق بـ(التناص) فقد وجدتُ _ مثلا_ في جامعة "أديلَيدا"، اهتماما بمعالجة مشكلة التعالق بين السرقة والانتحال وما يسمى بالتناص؛ لـ"كرستينا إيرا"، في دراستها: (التناص الملزم وتجريم (تحريم) الانتحال: التقاطعات والتناقضات في كتابة البحث)2، كما أن "أدولف هيبرر"Adolphe Haberer، يقدم بحثا تعليميا في 2007م، في جامعة "ليون" بإسم(التناص بين النظرية والتطبيق) 3،
Intertextuality in theory and practice منبها إلى قضية التفرد والخصوصية الإبداعية مقابل التناص، الذي يسمح، بتعالق النصوص.
 أما المريدون لما يسمى بالتناص فقد كان أكثر الكتب إلماما بها حسب ما نعرفه، هو كتاب (التناصIntertextuality) لـ"جراهام ألين"Graham Allen الصادر عن سلسة المصطلح النقدي الجديد(لندن – نيويورك)2000م؛ والذي أبتدأ بـ"سوسور" و"باختين" و"كريستيفا" مرورا بـ"ربفاتير" و "جيرار جينيت" ووصولا إلى "بلوم" والنسوية، وما بعد الحداثة.
ومن الكتب المتميزة في التناص: كتاب (الكلام والذاكرة والمعنى- التناص في اللغة اليومية) لـ"بوريس جِسباروف"، 2010.4
وفيه يطرح مسألة (الإبداع كشرط أساسي للغة).5 وهذا الملفت في هذا الكتاب، الذي يكاد يكون في آلية تطور اللغة؛ (حرية الابداع وطوارئ المعنى – دور الحافز).
 لكني لا أجد في كل ذلك ما يقنع بقبول مصطلح التناص الذي أراه مضللا.
أما التضمينات في حدود الاعتراف بمصادرها وتحديدها بعلامات التنصيص المعروفة، أو الإشارة إليها... فلا إشكال حولها، كما يفرض واقع الحال على مر التاريخ.
وتراثنا العربي قد درس مثل هذه القضايا بشكل دقيق، وأجد "أسامة بن منقذ" في كتابه (البديع في البديع في نقد الشعر) أكثر علمية من شطحات "جيرارجينيت" التي راج صداها في الدراسات العربية.
 مع الأخذ بالاعتبار أن من يرى فرقا بين السرقات الأدبية في التراث العربي وبين التناص، ربما يحسن الظن أكثر مما ينبغي. مع العلم أن مسألة الإعداد والاقتباس من القضايا التي لها سياقها كما سيتضح في الفصل الرابع.
 لكني أأكد هنا على غياب تصنيف دقيق لمصادر النص، وأن التناص لم يصنع الرؤية العلمية الدقيقة، بقدر ما شكل عبئا وتعقيدا في دراسة بنية النص؛ ولعل الأمثلة السابقة قد وضحت أن التناص أصبح مشكلة تسمح بهذا المسمى للانتحال وإعادة انتاج الآخر، بحضور الزائف على حساب الابداع الحقيقي. ولعل في هذا الجهد ما يشكل الضوء الأنسب لمعرفة مصادر النص.
 دعونا نستعرض بعض ما سبق أن قدمه الدارسون، عن مصادر النص، فمثلا، في (المعجم الأدبي والمصطلحات الموضوعية، إدوارد كوين) سنجد تحت مصطلح (المصدر) يشير إلى أن ((المصدر هو أي نص مستخدم من الكاتب لحبكة، أو لأفكار أو حيل أسلوبيه. وفقا لمبدأ التناص كل النصوص لها مصادر...الخ))
((source A TEXT used by a writer for a PLOT, ideas, or stylistic devices. According
to the principle of INTERTEXTUALITY, all texts have sources, but the more traditional
use of the term focuses on specifi c texts whose presence can be detected in another text..)) 6
  لاحظ التعريف (المصدر هو أي نص يستخدمه الكاتب للحبكة أو لأفكار أو حيل أسلوبية.) أي نص هنا تحتاج إلى تحديد وتصنيف وتعريف.
 وفي نفس المعجم سنجد المصادر وردت في سياقات متفرقة!!!، لكنه وقع في تبعة مصطلح التناص، وبالتالي توقف عند العلاقة الغائمة بين النص الجديد والنصوص السابقة.
ومن خلال استعراض النصوص الدرامية والروائية على مر التاريخ، سنجد أن المصادر تكون إما من نصوص مقدسة. أو من التاريخ. أو من الواقع. أو من الخيال. أو من التراث الشعبي: حكاية أو اسطورة أو خرافة أو حتى طقوسا. أو من نصوص أدبية سابقة.
في هذه الدراسة سنقف مع مصدر النص كدال ومع النص كرؤية استبدالية تشكل خصوصيته الإبداعية، مع الأخذ بالاعتبار أن النص أيضا دال بمستواه الإبداعي، أو عدة دوال ولها انزياحاتها الاستبدالية، ولكن في هذا الكتاب سنكثف بحثنا ودراستنا على الدال والاستبدال بين النص ومصدره.
مصطلح (دال) أو الدال، signifier-signifiant من المصطلحات التي تدرس في علم العلامات Semiotics (semiotica – semiology) 7...، "قسم موريس علم العلامات إلى ثلاثة فروع، هي: علم التراكيب (أو النحو) syntactics، وعلم الدلالة semantics، وعلم التداول pragmatics، أو التداولية..."8
والدالsignifier مشتق من لفظة sign، والتي تعني في اللغة الإنجليزية إشارة أو علامة أو رمزا، وحينما ترجمت إلى العربية ترجمت بمعناها اللغوي (علامة) ولكن "ثامر ديب" يترجمها دالول ويجمعها دواليل، لكي تتسق مع بقية الاشتقاقات للفظ وهي الدال signifier والمدلول signified والدلالة signification.
وقد جاء في معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات:
"كان الدال لدى "سوسير"، أحد الشطرين المكونين للعلامة (مع الأخذ في الحسبان أن العلامة لديه غير قابلة للانقسام إلا لأغراض التحليل) وفي إطار تعاليم "سوسير"، يعتبر الدال هو الشكل الذي تأخذه العلامة. أما لدى "سوسير" نفسه، وفيما يتعلق بالعلامات اللغوية، فكان الدال يعني الشكل غير المادي للكلمة المنطوقة – أي صورتها الصوتية (sound-image)، وكان يقصد بهذا الأثر السيكولوجي للصوت، أي التأثير أو الانطباع الذي ينتجه على حواسنا. أما من جاءوا بعد "سوسير"، من علماء العلامات، فقد تعاملوا مع الدال على أنه الشكل المادي(أو الفيزيقي) للعلامة، أي ذلك الشيء الذي يمكن رؤيته، أو سماعه، أو شمه، أو تذوقه (ويطلق عليه، أيضا، مصطلح وعاء العلامة أو أداتها)."9
والعلامة هي ما تنوب عن غيرها أو تشير إليه، وقد وصفها "دانيال تشاندلر"، بأنها تشمل الصور والأصوات والأفعال والأشياء:
"وتوجد العلامات في شكل مادي (فيزيقي)، مثل: الكلمات والصور والأصوات والأفعال والأشياء... وليس للعلامة معنى أصلي ملازم لها، أو كامن بداخلها، فالعلامة تصبح علامة، فقط، عندما يقوم مستخدموها بإكسابها معناها، من خلال إحالتها إلى شفرة معينة معروفة"10
والدال الذي نقصده في دراستنا هذه هو مصدر النص الإبداعي، سواء كان أحداثا أو أفعالا تاريخية أو واقعية أو تراثية أو حتى خيالية.
وإذا كان هناك من يحب الفصل بين علم العلامات اللغوية وعلم العلامات الاجتماعية، فيمكنه اعتبار هذا الجهد داخلا في الإطار الاجتماعي للدال.
أما النص المقصود في دراستنا هذه، فهو النص الإبداعي مقروءا كان أو مرئيا أو مسموعا.
    ولكن لمزيد من الإيضاح يمكننا أن نقف مع بعض تعريفات النص، التي قد يصل بعضها إلى تعميم فضفاض، فمثلا في معجمٍ لمصطلحات علم العلامات، نجد تعريفا عاما للنص:
"النصtext يستخدم هذا المصطلح، بشكل عام للإشارة إلى أي شيء يمكننا قراءته للوصول إلى معنى منه/ويعتبر بعض المنظرين العالم نصا اجتماعيا...ومع هذا فإن النص بالنسبة إلى معظم علماء العلامات، هو نظام من العلامات (على شكل كلمات، أو صور أو أصوات /أو/إيماءات)."11
ويضمن هذا المعجم إشارات إلى ما يسمى (شفرات النص) و(الحتمية النصية).
 ولكن الدكتور "محمد عناني" في كتابه (المصطلحات الأدبية الحديثة)، يقدم أيضا تفصيلات مهمة تضمنت أراء كل من "رولان بارت" و"مايكل ستابر" ولكن سنكتفي بالإشارة إلى معايير النص:
"... وتورد "كاتي ويلز Katie Wales في (معجم علم الأسلوب) (1989م) المعايير السبعة للنص التي وضعها "دي بوجراند"De Beaugrande و"دريسلر" Dressler في كتابهما(مقدمة للغويات النص)... وهي: التماسك الداخلي cohesion والاتساقcoherence والعمد أو القصد intentionality والقبول (أو التقبل) acceptability ومراعاة مقتضى الحال situationality والإخبارinformativity والتناصintertextuality... ولا شك أن هذه الخصائص تشكل تعريفا يمكن الاستناد إليه إلى حد كبير، وقد تمكننا من اعتبار مصطلح العمل الأدبي فرعا متخصصا من فروع النص text"12
وهذه المعايير، نرى أنها قابلة للجدل والاختلاف، فالنص لفظ يتسع لأكثر معنى، وبالتالي ببساطة شديدة نرى أن نحدد نوع النص، فنقول: النص الإبداعي(الأدبي) أو النص التاريخي، فلكل نص تقنياته وخصوصيته، وبالتالي فإن المعايير المطلوبة هي معايير نوعية النص، فإذا كان نصا إبداعيا، فمعاييره هي عناصر بنائه، وهي تختلف عن عناصر النص التاريخي، أو النصوص المقدسة التي لها خصوصيتها هي أيضا.
وعلى كل فإن النص في سياق دراستنا هذه هو النص الإبداعي، سواء كان نصا دراميا أو روائيا أو شعريا أو تشكيليا أو سينمائيا أو حتى موسيقيا، ولكن نؤكد هنا على التفريق بين النص وبين مصادره؛ فمثلا "بول ريكور"13 يرى أن الحدث التاريخي يعتبر نصا- وهو ما نراه في سياق دراستنا مصدرا للنص الإبداعي..- ومصادر النص الإبداعي تكون إما من الواقع... أومن التاريخ...أو الموروث الشعبي أو من الخيال، أو من أعمال سابقة، في إطار المصدر التقني الأساس في تحديد النوع، فإذا كان النص دراميا أو روائيا كانت مصادره التقنية هي (الحبكة -الشخصيات-الصراع-اللغة- الفكر...) هذه العناصر تنسج بمادة إما من الواقع أو من التاريخ أو من الموروث الشعبي بما فيه الحكاية الشعبية والأسطورة والطقوس.
  التاريخ... الواقع... الموروث الشعبي، ثلاثة مصطلحات، ولكل مصطلح خصوصيته، ومن المهم تحديد الفوارق والعلاقات بينها؛ فالتاريخ والواقع كلاهما يعتمد على الحقيقة سواء كانت حقيقة تاريخية أو حقيقة واقعية ولكن الفرق بينهما أن التاريخ ماضٍ في حين أن الواقع حاضر، ولهذا الفرق أهميته؛ فما حدث في الماضي قد يكون غريبا أو حتى مرفوضا في الواقع أما ما يحدث في الواقع فهو عادة معروف مألوف كقاعدة... والأهم من ذلك أن التاريخ غير قابل للزيادة أو النقصان وقد تحدد فيه الجوهري من العرضي من الأحداث في حين أن الواقع مازال فيه الجوهري والعرضي متداخلين وقابلين لأن يتبادلا المواقع، من هنا تأتي أهمية النص الذي يتخذ الواقع مصدرا له لأنه يحدد الجوهري من العرضي باختياراته.
 مع الأخذ بالاعتبار أن الجوهري تحدده النسبية التي قد تختلف بحسب سياق التحديد، فالفنان التشكيلي مثلا حينما يدرس تاريخ الإنسان البدائي في الكهوف؛ فإن الجوهري بالنسبة له هو تلك الرسوم التي يجدها في جدران الكهوف وما يتعلق بها من معتقدات.
      أما الموروث الشعبي فإنه يختلف عن التاريخ والواقع في كونه يمثل مرحلة تحول من الحقيقة إلى الرؤية... من الحقيقة الجزئية المحدودة بالزمان والمكان التاريخي أو الواقعي إلى الرؤية الإبداعية الكلية غير المحدودة والتي تتجاوز الزمان والمكان التاريخي أو الواقعي إلى الزمان والمكان الإبداعي.
والعلاقة دائمة وحتمية بين الواقع والتاريخ والموروث الشعبي(الفن) فالتاريخ كان واقعا والحكاية الشعبية أو الأسطورة عادة مصدرها حادثة أو واقعة تاريخية ثم بفعل الخيال الشعبي وهموم الجماعة الشعبية ورؤاها تتحول من حقائق جزئية إلى رؤية عامة تحمل قيم الجماعة الشعبية التي تتجاوز الزمان والمكان. ومن هنا تكتسب استمرارية تداولها وأهميتها أيضا.
وفي الإبداع يكون مصدر النص دالا قابلا للاستبدال برؤية المبدع التي بدونها يبقى النص حبيس قيمته المصدرية سواء كان تاريخا أو تراثا شعبيا أو واقعا... من هنا تأتي أهمية الاستبدال التي تشكل قيمتها الدلالية الجديدة.
والاستبدال يحتمل أكثر من دلالة وفي أكثر من علم؛ ولكن في مجال النص الإبداعي...، هناك استبدال تقني وهو ما يسمى: استبدال المجاز بالحقيقة؛ وهو ما يشكل أسلوب النص، وقد يدخل في تحديد نوعه؛ فهو في الشعر جوهر من التقنيات، وفي الرواية عرض من الجماليات. وهناك استبدال لغوي، في النحو والصرف...، وهو ما درسه الأقدمون باستفاضة، وهناك استبدال موضوعي، وهو الذي نقصده هنا وهو استبدال الرؤية الإبداعية بالحالة المصدرية للنص، سواء كان استبدال الرؤية الإبداعية بالحقيقة التاريخية أو الواقعية، أو استبدال رؤية شعبية أو فردية، برؤية أخرى جديدة.
***
المصادر مستويان: مستوى تقني؛ في تقنيات التأليف ذاتها وهذا المستوى من المفترض أن يكون النص قد امتلكها؛ وبالتالي فإشارتنا لها ليس هدفا في ذاته_في هذا السياق_ ومستوى موضوعي، والمستويان يمثلان وحدة لا تقبل الانفصام إلا لغرض الدراسة.. ومصادر النص على المستوى الثاني وهو الذي يهمنا هنا وتشمل: (الواقع ـ التاريخ ـ الخيال ـ التراث، بما في ذلك الحكاية والأسطورة والطقوس) والخيال المقصود هنا، هو الخيال المبتكر تماما مثل سكان الفضاء. ولا يغيب عنا أن للمصادر أيضا مصادراً.14
تجدر الإشارة إلى أننا بهذا الجهد نحاول أن نقدم رؤيتنا حول إشكاليتين من إشكاليات النص:
-الخلط بين التراث الشعبي والتاريخ في النص الإبداعي.
-غياب منهجية توصيف مصادر النص...15:
وقد اجتهدت في محاولة منهجة وتوصيف مصادر النص، ومحاولة التفريق بين النص التاريخي والنص الإبداعي؛ معتبرا التراث الشعبي نصا إبداعيا بلورته الجماعة الشعبية. وقد قسمت هذا البحث إلى أربعة فصول:
الفصل الأول :التاريخ؛ ويكون الاستبدال فيه، استبدال للرؤية بالحقيقة التاريخية. والفصل الثاني: الواقع؛ يكون فيه الاستبدال للرؤية الإبداعية بالحقيقة الواقعية. أما الفصل الثالث: التراث الشعبي؛ ففيه يكون الاستبدال للرؤية الإبداعية الفردية بالرؤية الجماعية للجماعة الشعبية سواء كان هذا التراث أسطورة أو حكاية شعبية، وسيكون تطبيقنا على الحكاية الشعبية. الفصل الرابع: الأعمال الأدبية السابقة؛ وفيه درست استبدال رؤية إبداعية فردية برؤية إبداعية فردية أخرى.
يشكل هذا الكتاب الإصدار الأول من سلسلة (تقنيات التأليف): (الكتاب الأول) مصادر النص.(الكتاب الثاني) حبكة النص. (الكتاب الثالث) الشخصية في النص. (الكتاب الرابع) الصراع في النص. (الكتاب الخامس) اللغة في النص. القاسم المشترك، بين هذه السلسلة، هو النصوص التي تم التطبيق عليها، وهي نصوص درامية يمنية، تقع في الفترة ما بين 1975-1990م؛ وكل هذه الكتب تشمل تقنيات التأليف الدرامي
والروائي بصفة خاصة، وأيضا تلقي ضوءا، نقديا تأسيسا على تجربة التأليف الدرامي في اليمن.16
***
من المهم الإشارة إلى الاستجابة التلقائية للاختلاف والمغايرة؛ في بناء النص... وهذا مطلب شرعي يصنع الجديد؛ وهو ما أصبح يدخل تحت مسمى التجريب. فالقاعدة الأساسية، أنه لكي تكسر قاعدة سابقة لابد لك من استيعابها بدقة ومن ثم صناعة قاعدة بديلة بوعي فلسفي يتيح لك تأسيس تجربة جديدة، تهدم النظام القائم في بناء أي نص، لكي تحل محله نظاما آخر، أكثر فعالية وقدرة على تلبية ضرورات الزمن، وليس أن تهدم النظام بفوضى، لا يؤسس إلا للخراب، وهو ما يقع فيه الكثيرون ممن يقلدون دون وعي، أما إذا وجد النص الذي يؤسس لتقنية جديدة، استجابة لضرورة موضوعية، فإننا سنحتاج إلى نقد إبداعي يستطيع أن يدرك ضرورات المغايرة، التي تصنع مقاييسها الجديدة، وتشكل إضافتها المختلفة.
صنعاء2008-2011م.
الفصل الأول
   التاريخُ
استبدال رؤية إبداعية بحقيقة تاريخية
مدخل
قبل أن أقدم رؤيتي عن مصادر الإبداع، وجدتُ رأيا لا يمكن إغفال مناقشته، وهو رأي الدكتور"محمد مندور" حيث يقول في هذا الشأن:
" الواقع أن التجربة البشرية التي يتطلبها الأدب الإنساني الرفيع لا تقتصر على التجربة الشخصية للأدب وإنما تشمل:
1- التجربة الشخصية